Home: Feature

لاجئون في الجائحة: رحلة البحث المستحيلة عن علاج نفسي في ألمانيا

ينتشر ملايين من اللاجئين حول العالم ولا سيما في ألمانيا حيث يحتاج العديد منهم إلى دعم نفسي بأسرع وقت، لكن ظروف الجائحة تجعل من الحصول على هذا الدعم أمراً شبه مستحيل

عمر السوادي
6 أبريل 2021, 7.34
يحتاج ما لا يقل عن اربعون ألف طالب لجوء ولاجئ معترف بهم في ألمانيا إلى العلاج
|
Juliet Dreamhunter / Alamy Stock Photo. All rights reserved

ازدادت التعقيدات فيما يتعلق بالصحة النفسية منذ بداية الجائحة ومع ذلك تندر التقارير الإخبارية والتصاريح السياسية عن الموضوع. فإذا كان الكثير من الأصحاء بحاجة إلى استشارة نفسية فكيف حال من يعاني من أمراض نفسية في ظل الحجر؟

يجلس عبد الرحمن ( ٢٨ سنة) في غرفته في مدينة منهايم جنوب ألمانيا ويتحدث عن تجربة محاولة البحث عن دعم نفسي: "في الفترة الأخيرة حصلت على عنوان أحد المعالجين النفسيين في مدينتي، حاولت التواصل معه إلا أن عنوان البريد الإلكتروني كان للعيادة التي يعمل بها وليس له، لم تعد لدي رغبة في البحث مرة أخرى."

لم يكن عبد الرحمن مقتنعا بجدية العلاج النفسي قبل جائحة كورونا، إذ كان يعتقد بأن حالته النفسية ستتحسن مع الوقت. "في ظل الحجر العام الآن فإن أكبر مشكلة أواجهها هي البيروقراطية التي تصعّب الحصول على موعد لدى الطبيب النفسي مما يقلل لدي الرغبة دائماً في البحث عن المساعدة حتى عندما أحتاجها"، يقول عبد الرحمن.

يحتاج كل من يبحث عن علاج نفسي في ألمانيا إلى الذهاب لطبيب عام في البداية. يقرر الطبيب بعد الفحص إن كان المريض يحتاج لعلاج نفسي أم لا. في حال لم يوافق الطبيب العام على العلاج النفسي، فإن شركات التأمين الصحي لن تقوم بدفع تكاليف العلاج.

Get dark money out of UK politics

Sign our petition to tell the government to tighten electoral laws and shine more light on political donations. We need to know who is giving what to our political parties.

عبد الرحمن الذي يدرس العمل الاجتماعي في السنة الأخيرة يرى أن ضغوط الجامعة وتحديات الحياة في ألمانيا تزيد من اكتئابه ومخاوفه. فهو حاليا يتمنى عودة الحياة إلى طبيعتها أولا لأن ذلك قد يساعد على تحسين حالته النفسية كما يقول.

غياب الاهتمام الكافي بالصحة النفسية في ظل الجائحة، سواء بالنسبة للأصحاء أو لمن يحتاجون لرعاية نفسية في الأساس دفع منظمة الصحة العالمية إلى التحذير من تبعات الإغلاق العام وإجراءات مكافحة كورونا على الصحة النفسية لدى جميع أفراد المجتمع وخاصة من هم عرضة للضغوط النفسية.

معظم اللاجئين كانوا يواجهون صعوبات في الحصول على رعاية نفسية حتى قبل جائحة كورونا

وفي إحصائيات أبريل/نيسان من العام الماضي وصلت نسبة المواطنين في بريطانيا ممن يشعرون بالقلق على صحتهم النفسية إلى ٤٣٪، أما في الولايات المتحدة كان لدى ما يقارب ٣٨٪ من السكان هاجس بخصوص صحتهم النفسية، وفي ألمانيا فقد وصلت النسبة إلى قرابة ٣٤٪ من المواطنين. وفي إحصائية أخرى في البلدان الثلاثة كانت أهم المواضيع التي تقلق المواطنين خلال الجائحة هي صحة العائلة، الحالة الاقتصادية والاستقرار السياسي في البلد، والوضع المادي والصحة النفسية.

ظروف صعبة

ينتظر اللاجئون الذين يعانون من أمراض وصدمات نفسية في ألمانيا ما معدله سبعة أشهر لتلقي العلاج النفسي. وفي واحد من كل ثلاث مراكز علاج نفسي في البلاد، يضطر اللاجئون إلى الانتظار ما بين تسعة أشهر وسنة ونصف لتلقي العلاج النفسي.

بحسب تقرير التوريد الحالي لمجموعة العمل الفيدرالية للمراكز النفسية والاجتماعية للاجئين وضحايا التعذيب (BAfF) فإن أكثر من ٧٦٠٠ لاجئ يبحثون عن الدعم في المراكز النفسية والاجتماعية ولا يمكن نصحهم أو الاعتناء بهم على الإطلاق. لهذا السبب لم يتم تقديم أي علاج نفسي لهم.

ألمانيا التي تحتضن قرابة ١،١ مليون لاجئ بحسب موقع المفوضية السامية للاجئين لا تزال تستقبل طلبات لجوء رغم انخفاض أعداد الواصلين إليها. استناداً لموقع دائرة الهجرة واللاجئين في ألمانيا فقد قدم ما يقارب ١٧٢٩٩ شخصاً طلبات لجوء في ألمانيا هذا العام، ينحدر ٦٧٩١ شخصا منهم من سوريا، ٢١٣٦ من العراق والباقي من أفغانستان.

عمر، شاب سوري يعيش في جنوب ألمانيا ويعمل حاليا في توزيع الإعلانات بعد انتهائه من تعلم اللغة الألمانية. يتحدث عمر عن أعراض للمزاج الاكتئابي بدأت تظهر لديه منذ بداية الجائحة. ويقول الشاب البالغ من العمر ٢٢ عاما أنه كان يرغب في البدء بتدريب مهني بعد دورة اللغة: "عندما بدأت الجائحة بدأت الشركات المتوسطة بتخفيض عدد الموظفين ورفض المتدربين. بالنسبة لي كان الحصول على قبول أمرا مستحيلا، بسبب توقف مقابلات العمل وتقليص عدد المقبولين إلى حد ضئيل جعل مني رقما خارج حسابات أصحاب العمل".

يشتكي عمر من تدهور قدراته اللغوية بسبب ممارسته العديد من الأعمال المتنوعة في السنة الماضية التي لا تتطلب الحديث مع الزبائن، ويوضح أن وضعه الحالي وعدم الاستقرار أوصل بحالته النفسية إلى وضع غير جيد: "حاليا أنا بحاجة المال وبحاجة الحصول على تدريب مهني، لكن لم أحصل على أي منهما. الأعمال التي قمت بها كانت فقط لساعات محدودة بأجر زهيد لا يلبي جميع احتياجاتي. تعرضت لحالة يأس في أول وثاني إغلاق عام حدث في ألمانيا، والآن أشعر باكتئاب بسبب الحديث عن اقتراب الإغلاق الثالث هنا بعد ارتفاع أعداد الإصابات مرة أخرى".

يرفض عمر حالياً البحث عن دعم نفسي على الرغم من معرفته بأن لديه "اكتئاب بسيط" كما يصف. بالنسبة له تعتبر زيارة الطبيب ضرورية في حال تدهور صحته النفسية ويقول في نهاية حديثه "كل ما أحتاج إليه حاليا هو الأمل".

حاجة ملحّة

يحتاج ما لا يقل عن اربعون ألف طالب لجوء ولاجئ معترف بهم في ألمانيا إلى العلاج ، وفقًا لتقديرات الغرفة الفيدرالية للمعالجين النفسيين (BPtK). ويعاني كل لاجئ بالغ من اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) أو الاكتئاب. أما عند الأطفال اللاجئين فيكون معدل اضطراب ما بعد الصدمة أعلى بـ ١٥ مرة من الأطفال الألمان. علماً أن معظم هؤلاء اللاجئين كانوا يواجهون صعوبات في الحصول على رعاية نفسية حتى قبل جائحة كورونا.

كل شيء مررت به قد أثر على صحتي النفسية بشكل أو بآخر. كانت تجربة السجن مؤلمة جدا، جعلت الخوف يصاحبني حتى الآن رغم عدم وجودي في سوريا

يتحدث عبد الرحمن عن تجربته في سوريا التي أدت لتدهور صحته النفسية قبل قدومه عام ٢٠١٤ إلى القارة الأوروبية، ويقول "كنت طالباً في كلية الحقوق في دمشق، هربت من سوريا عام ٢٠١٣ إلى لبنان وعملت هناك عدة أشهر لأخرج بعدها إلى ماليزيا وأجرب عدة أعمال قبل انتهاء صلاحية جواز سفري الذي لم أتمكن من تجديده." اضطر عبد الرحمن بعد ذلك للخروج إلى أوروبا عبر تركيا.

يذكر عبد الرحمن كيف داهمت المخابرات السورية منزله عام ٢٠١٣ بحثا عنه بسبب نشاطه السياسي ضد السلطة في دمشق: "قام عناصر المخابرات بقتل والدي داخل منزلنا. قبل تاريخ المداهمة بسنة أمضيت قرابة شهرين في فرع ٢٢٧ التابع للمخابرات العسكرية في دمشق".

"كل شيء مررت به قد أثر على صحتي النفسية بشكل أو بآخر. كانت تجربة السجن مؤلمة جدا، جعلت الخوف يصاحبني حتى الآن رغم عدم وجودي في سوريا."

يتابع عبد الرحمن الحديث عن تجربته منذ دخوله السجن حتى وصوله إلى ألمانيا وبدأه في الدراسة الجامعية: "أتيت إلى هنا وبدأت أعاني في ألمانيا من أي موقف يمارس فيه عليّ أي نوع من السلطة. أصبحت أشعر بالتوتر عند رؤية الشرطة وتنتابني نوبات هلع في بعض الأحيان. وفي ظل كورونا ازدادت حالتي النفسية سوءاً بسبب جلوسي لفترات طويلة لوحدي وقلة تواصلي مع الناس مما زاد من اكتئابي."

تؤكد منظمة الصحة العالمية على أهمية الصحة النفسية ليس فقط لتحسين المزاج ومستوى رضا الأفراد عن حياتهم، بل لأن الصحة النفسية تنعكس على جسد المريض عن طريق أمراض مثل القلب، السكري، الأوعية الدموية والسرطان. كما أن تدهور الصحة النفسية قد يؤدي إلى سلوكيات مضرة قد تنعكس أيضا على المجتمع بشكل أو بآخر.

لذا يجب عدم تجاهل أي شعور سلبي ينعكس على شكل قلق، أرق أو اكتئاب والمسارعة في البحث عن استشارة متخصصة في حال أي تدهور نفسي. كما أن نشر الوعي حول الصحة النفسية في المدارس أو داخل العائلة وتشجيع الناس على الحديث عما يزعجهم من أهم الأشياء التي تساعد أفراد المجتمع سواء كانوا بحاجة لدعم نفسي أم لا. فالبحث عن دعم نفسي هو بالنهاية أمر مهم كما الذهاب إلى الطبيب العام في حال المرض.

Had enough of ‘alternative facts’? openDemocracy is different Join the conversation: get our weekly email

تعليقات

نشجّع أي شخص على التعليق. الرجاء الرجوع إلى openDemocracy تعليمات أسلوب التعليق الخاص ب ن كان لديك أسئلة
Audio available Bookmark Check Language Close Comments Download Facebook Link Email Newsletter Newsletter Play Print Share Twitter Youtube Search Instagram WhatsApp yourData